بهاء الدين الجندي اليمني
372
السلوك في طبقات العلماء والملوك
الفضلاء وذوي الألباب فمتى ظفر بواحد منهم بالغ في التزامه والسلام عليه ولازمه أن ينزل معه إما في داره أو بقرب منه ، ثم يتولى إكرامه وقضاء حوائجه من بيع أو شراء ويبذل في ذلك ما لاق من ماله أو جاهه ، ثم إن كان ممن يفد على الملوك تسبّب له في الوصول تسببا لائقا بحيث يعود الفقير غنيا والمقلّ مكثرا وكان هذا العمل منه عاما ، وقد ذكرت مع ذكر عمارة ما فعله من عمل الشعر واستخراج الجوائز ومناقب هذا أكثر من أن تحصر ، وبعضها موجود في شعر عمارة الذي جمع به شعراء اليمن ، وكتابي هذا لائق له الاختصار ، ولو لم يكن له من الدليل على عموم خيره إلا أن أهل زبيد لما طال عليهم البلاء من ابن مهدي واشتد خوفهم وطال حصارهم خرج منهم خلق كثير وركبوا البحر وقصدوا عدن فبذل هذا الرجل كرامته وجاهه لأعيانهم وأكابرهم وماله وشفقته لفقرائهم وضعفائهم حتى دمل كلمهم وسدّ ثلمهم ، وكان متى حدث من فاضل زلّ زلّة مع السلطان اجتهد له في العذر عنها . حكي أن ابن الطرائفي المعروف بأبي طالب قدم عدن ومدح الداعي محمد بن سبأ سنة ست وثلاثين وخمسمائة بقصيدة لأبي الصلت كان مدح بها الأفضل بن أمير الجيوش أولها : نسجت غرائب مدحك التشبيبا * وكفى له غزلا لنا ونسيبا وأنا الغريب زمانه ومكانه * فاجعل نوالك في الغريب غريبا ثم لما قدم الرشيد « 1 » عدن أهدى للداعي الديوان « 2 » فوجد القصيدة فكتب إلى الأديب من الدملوة أن يسير إليه قصيدة ابن الطرائفي فعلم الأديب أنه قد أدرك ابن الطرائفي فكتبها بخطه وألحقها اعتذارا عن ابن الطرائفي من شعره ( من نفسه ) « 3 » : هذه صفاتك يا مكين وإن غدا * فيمن سواك مديحها مغصوبا فاغفر لمهديها إليك فإنه * قد زادها تشريف طيبك طيبا وأما إجادته بطريق كتابة الإنشاء فذكر الفقيه عمارة أنه سمع الشيخ أبا الحجاج والقاضي الجليس أبا المعالي وهما يومئذ كاتبا إنشاء الدولة العلوية يقولان غير مرة مجتمعين ومفترقين لم يصل إلينا مكاتبة لأحد من الآفاق ولا رأينا لكتاب الشام والعراق كمكاتبات ترد إلينا من جزيرة اليمن إنشاء الأديب أبي بكر بن أحمد العندي ، فإن لها
--> ( 1 ) تقدمت ترجمة القاضي الرشيد . ( 2 ) أي ديوان أبي الصلت . ( 3 ) ما بين القوسين من « ب » .